ابن عطية الأندلسي

442

المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

[ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 52 إلى 54 ] فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ ( 52 ) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ ( 53 ) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ ( 54 ) قبل هذه الآية متروك به يتم اتساق الآيات ، تقديره ، فجاء عيسى عليه السلام كما بشر اللّه به فقال جميع ما ذكر لبني إسرائيل ، فَلَمَّا أَحَسَّ ومعنى أحس ، علم من جهة الحواس بما سمع من أقوالهم في تكذيبه ورأى من قرائن الأحوال وشدة العداوة والإعراض يقال أحسست بالشيء وحسيت به ، أصله ، حسست فأبدلت إحدى السينين ياء ، و الْكُفْرَ هو التكذيب به ، وروي أنه رأى منهم إرادة قتله ، فحينئذ طلب النصر ، والضمير في مِنْهُمُ لبني إسرائيل ، وقوله تعالى : قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ عبارة عن حال عيسى في طلبه من يقوم بالدين ويؤمن بالشرع ويحميه ، كما كان محمد عليه السلام يعرض نفسه على القبائل ويتعرض للأحياء في المواسم ، وهذه الأفعال كلها وما فيها من أقوال يعبر عنها يقال مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ ، ولا شك أن هذه الألفاظ كانت في جملة أقواله للناس ، والأنصار جمع نصير ، كشهيد وأشهاد وغير ذلك ، وقيل جمع ناصر ، كصاحب وأصحاب وقوله : إِلَى اللَّهِ يحتمل معنيين ، أحدهما ، من ينصرني في السبيل إلى اللّه ؟ فتكون إِلَى دالة على الغاية دلالة ظاهرة على بابها ، والمعنى الثاني ، أن يكون التقدير من يضيف نصرته إلى نصرة اللّه لي ؟ فيكون بمنزلة قوله وَلا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى أَمْوالِكُمْ [ النساء : 1 ] فإذا تأملتها وجدت فيها معنى الغاية لأنها تضمنت إضافة شيء إلى شيء ، وقد عبر عنها ابن جريج والسدي بأنها بمعنى مع ونعم ، إن - مع - تسد في هذه المعاني مسد « إلى » لكن ليس يباح من هذا أن يقال إن إِلَى بمعنى مع حتى غلط في ذلك بعض الفقهاء في تأويل قوله تعالى : وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ [ المائدة : 6 ] فقال إِلَى بمعنى مع وهذه عجمة بل إِلَى في هذه الآية ، غاية مجردة ، وينظر هل يدخل ما بعد إلى فيما قبلها من طريق آخر ، و الْحَوارِيُّونَ ، قوم مر بهم عيسى عليه السلام ، فدعاهم إلى نصره ، واتباع ملته ، فأجابوه وقاموا بذلك خير قيام ، وصبروا في ذات اللّه ، وروي أنه مر بهم وهم يصطادون السمك ، واختلف الناس لم قيل لهم الْحَوارِيُّونَ * ؟ فقال سعيد بن جبير ، سموا بذلك لبياض ثيابهم ونقائها ، وقال أبو أرطأة ، سموا بذلك لأنهم كانوا قصارين يحورون الثياب ، أي يبيضونها ، وقال قتادة ، الحواريون أصفياء الأنبياء ، الذين تصلح لهم الخلافة ، وقال الضحاك نحوه . قال الفقيه الإمام أبو محمد : وهذا تقرير حال القوم ، وليس بتفسير اللفظة ، وعلى هذا الحد شبه النبي عليه السلام ، ابن عمته بهم في قوله : وحواريّ الزبير ، والأقوال الأولى هي تفسير اللفظ ، إذ هي من الحور ، وهو البياض ، حورت الثوب بيضته ومنه الحواري ، وقد تسمي العرب النساء الساكنات في الأمصار ، الحواريات ، لغلبة البياض عليهن ، ومنه قول أبي جلدة اليشكري : فقل للحواريات يبكين غيرنا * ولا تبكنا إلا الكلاب النوابح وحكى مكي : أن مريم دفعت عيسى عليه السلام في صغره في أعمال شتى ، وكان آخر ما دفعته إلى الحواريين وهم الذين يقصرون الثياب ثم يصبغونها فأراهم آيات وصبغ لهم ألوانا شتى من ماء واحد ، وقرأ